اسم في ذاكرة التاريخ: المستشار د. عوض المر
تاريخ النشر : 2024-04-12 تم النشر بواسطة: مصطفي اسامة
مقال بقلم: المستشار الجليل/ عدلي منصور -
رئيس المحكمة الدستورية العليا (الأسبق)، ورئيس الجمهورية المؤقت (عقب ثورة
٣٠ يونيو)، منشور بمجلة الدستورية، العدد السادس، أكتوبر ٢٠٠٤:
بعض
البشر يجيئون إلى الحياة ويغادرونها دون أن يضيفوا إليها شيئًا، يدخلون
الدنيا ويخرجون منها، كما دخلوا إليها صفر اليدين، لا يكاد يشعر بهم أحد،
وبعض البشر على النقيض من ذلك، رحلة حياتهم إسهامات متعددة أينما حلوا
يكونون ملء السمع والبصر، وكان فقيدنا العزيز [المستشار الجليل د.عوض المر - الرئيس الأسبق للمحكمة الدستورية العليا] من هذا الصنف الأخير.
فبعد
تخرجه فى كلية الحقوق والتحاقه بإدارة قضايا الحكومة ظهر نبوغه وتفوقه،
فرشح للحضور والترافع أمام إحدى دوائر محكمة النقض، وهو مازال صغير السن فى
بداية حياته الوظيفية، فما لبث أن حاز إعجاب رئيس وأعضاء تلك الدائرة
بغزير علمه، وبليغ مرافعته.
حتى أن
رئيس الدائرة دعاه إلى غرفة المداولة بعد انتهاء الجلسة وأشاد بمرافعته
وتنبأ له بمستقبل باهر، وكان أن صدقت النبوءة وبزغ نجم عوض المر، فحصل على
درجة الدكتوراه، وتنقل بين أقسام إدارة قضايا الحكومة المختلفة بأدائه
المتميز، مما رشحه للعمل بالمكتب الفنى لرئيس الجمهورية الذى استمر فيه
وقتًا طويلاً ثم ندب للعمل مستشارًا لوزير شئون مجلس الوزراء فى نهاية
السبعينيات، ومنذ ذلك الوقت عرفته عن قرب إذ كنت منتدبًًا بالأمانة
التشريعية بمجلس الوزراء، وكنت وزملائى نشترك أحيانًا فى إعداد بيان
الحكومة الذى يتم عرضه على مجلس الشعب، بحيث يناط بكل منا إعداد جزء من هذا
البيان ثم يتم تجميع كل ذلك كى يصب فى بوتقة الدكتور عوض المر الذى يتولى
بقلمه الفريد إعداد الصياغة النهائية للبيان بأسلوب أدبى رفيع فضلاً عما
فيه من دقة وإحكام.
وتوالت رحلة
الحياة بفقيدنا العظيم إلى أن التحق بالعمل عضوًا بهيئة المفوضين بالمحكمة
الدستورية العليا ثم رئيسًا للهيئة ثم عضوًا بالمحكمة فرئيسًا لها، وخلال
تلك الحقبة الزمنية التى امتدت من عام 1979 حتى بلوغه سن التقاعد فى يونية
عام 1998 كان بالغ التميز فى عمله مؤديًا له أحسن ما يكون الأداء، إلا أنه
خلال توليه رئاسة المحكمة ازداد توهجًا وتميزًا فوق تميزه، وترك بصمته
الواضحة على أداء هذه المحكمة، وكأنه خلق ليكون قاضيًا دستوريًا فذًا، فقد
كان -رحمه الله- يرى أن لهذه المحكمة رسالة سامية غايتها صون الحقوق
والحريات التى كفلها الدستور للمواطنين، وأن على المحكمة حين تباشر تلك
الرسالة ألا تنصاع لغير الحق والعدل.
وفى
سبيل تحقيق رسالة المحكمة على أكمل وجه كان يرى أنه يتعين على قضاتها
الاطلاع على الفقه والقضاء المقارن شرقًا وغربًا، إيمانًا منه بأنه لا يجوز
إهدار هذا التراث العريض من تطبيقات الشرعية الدستورية باعتبارها تحوي
قيمًا عليا تتقاسمها الدول جميعًا أيًا كان شكل حضارتها أو ثقافتها، إذ هى
قيم تتصل بحقوق البشر وحرياتهم، ومن هنا كان حرصه الدائم على ألا تتخاذل
المحكمة عن أداء دورها فى إبطال النصوص القانونية التى تخالف أحكام الدستور
وأن تقدم الحماية الحقيقية لحقوق الأفراد وحرياتهم حتى أصبحت هذه المحكمة
فى وجدان كل مواطن بعد أن حازت ثقته، مما ألقى عليها عبئًا ثقيلاً يفرض
عليها -دومًا- أن تفي بالأمانة التى ناطها الدستور بها.
لم
تكن المحكمة الدستورية العليا بالنسبة لفقيدنا العزيز شيئًا عاديًا، بل
كانت تمثل جزءًا كبيرًا مهمًا فى حياته، بل لعلى لا أبالغ إذا قلت أنها
كانت الشاغل الأكبر له، كيانها، مكانتها، استقلالها، دورها فى تحقيق أمن
وحرية المواطن المصرى، كل ذلك كان شغله الشاغل، كم من مرة دخل فيها معارك
ضارية للدفاع عنها وعن وجودها بكل ما أوتى من قوة حتى أن جسده النحيل لم
يقو على تحمل كل ذلك، فكان أن فاجأه المرض اللعين وهو فى أوج توهجه، ولكن
الفقيد العزيز -رحمه الله- هزمه وانتصر عليه بفضل الإرادة القوية التى حياه
الله بها، وعاد من رحلة العلاج أشد صلابة من ذى قبل مستكملًا مسيرة العطاء
بغير تعب ولا كلل.
كان أحد أحلام
فقيدنا الكبير أن يكون لهذه المحكمة مبنى لائق بمكانتها الرفيعة، فثابر
وجاهد وتحمل الكثير فى سبيل تحقيق هذا الحلم، ولأن الله تعالى لا يضيع أجر
المحسنين، أيده وقيض له من ساعده على أن يصبح الحلم حقيقة، وكان الفضل لله
سبحانه ثم للسيد الأستاذ الدكتور عاطف صدقى رئيس مجلس الوزراء الأسبق الذى
أصدر قرارًا بنزع ملكية الأرض المقام عليها المبنى الحالى للمحكمة ورصد له
أول اعتماد مالى للبدء فى تنفيذ المشروع، الذى تابعه الفقيد خطوة خطوة منذ
أن كان رسمًا على الورق، حتى انتهاء جزء كبير منه، إلا أن الصعوبات التى
واكبت إنشاء المبنى أدت إلى تأخير افتتاحه إلى ما بعد بلوغه سن التقاعد.
وهكذا
ترك الدكتور عوض المر دنيانا [في ٩ مايو ٢٠٠٤] بعد أن أدى رسالته وترك
تراثًا زاخرًا من أعماله يتحدث عنه، من أحكام وكتابات، فضلاً عن مؤلفه
الأخير فى (الرقابة القضائية على دستورية القوانين فى ملامحها الرئيسية)،
وذهب راضيًا مرضيًا عنه بإذن الله تعالى، بعد أن اطمأن إلى أن هذه المحكمة
أصبحت -بتوفيق من الله تعالى- صرحًا سامقًا تشرئب إليه أفئدة كل المؤمنين
بقيم الحرية والحق والعدل والتى لا قوام للحياة بدونها.
رحم
الله الفقيه العلامة الدكتور عوض المر رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته،
وجزاه عما قدم لهذا الوطن خير الجزاء، وألهم آله وصحبه ومحبيه الصبر على
فقده، وثبتنا من بعده على طريق الحق والعدل؛ أداء للرسالة، ووفاء للأمانة،
إنه نعم المولى ونعم النصير.